الشيخ محمد رشيد رضا

334

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

نوه الأستاذ الامام في الدرس بهذه العبرة وقال إنني كنت أقول إن المصريين لا يفنون في جنس آخر وان استولى عليهم قرونا طويلة ، ولكن غيرهم قد يفني فيهم ، لأنهم يرضون بكل سلطة ، ويدينون لكل قوة ، فلا يؤثر فيهم الذل والفقر كما يؤثر في غيرهم ، بل يظلون ما وجدوا قوتا يتناسلون ويكثرون ، والعامل لا يعدم في أرض زراعية كمصر قوتا ، ولذلك تقلبت الأمم على المصريين ثم زالت أو زال سلطانها عنهم ، وبقي المصريون مصريين ، لهم سحنتهم وصفاتهم وأخلاقهم وعاداتهم ، ولكنني رجعت عن هذا القول بعد ما رأيت من انتشار الخمر والزنا في البلاد ، ولا سيما هذه الخمور الإفرنجية التي تباع للفقراء والفلاحين وما هي بخمر جعلت للشرب ، وانما هي المادة المحرقة السامة التي تسمي السبيرتو يضاف إليها شيء من الماء والسكر أو غير ذلك مما يمكن من تناولها . فإذا استمر السكر والفحش على سريانهما هذا ، فلا يبعد ان تنقرض الأمة المصرية بعد جيلين أو ثلاثة كما انقرض هنود أمريكا ، فلا يبقى منهم الابقية من الخدم والاجراء عند من يخلفهم في الأرض ، فان السكر والزنا كالمقراضين يقرضان الأمم قرضا « 1 » وأما كون إثم الميسر أكبر من نفعه فهو أظهر مما تقدم في الخمر لا سيما في هذا العصر الذي كثرت فيه أنواع القمار وعم ضررها ، حتى أن الحكومات الحرة التي تبيح تجارة الخمر تمنع أكثر أنواع القمار وتعاقب عليها ، على احترامها للحرية الشخصية في جميع ضروب التصرف التي لا تضر بغير العامل ، فمنفعة القمار وهمية ، ومضراته حقيقية ، فان المقامر يبذل ماله المملوك له حقيقة على وجه اليقين لأجل ربح موهوم ليس عنده وزن ذرة لترجيحه على خطر الخسران والضياع ، والمسترسل في إضاعة المحقق طلبا للمتوهم يفسد فكره ويضعف عقلة ، ولذلك ينتهي الامر بكثير من المقامرين إلى بخع أنفسهم ( قتلها غما ) أو الرضى بعيشة الذل والمهانة . قال الأستاذ الامام انني أعرف رجلا كانت ثروته لا تقل عن ثلاثة آلاف ألف جنيه ( 3 ملايين ) فما زال شيطان القمار يغريه باللعب فيه حتى فقد ثروته كلها

--> ( 1 ) وقد فشا بعده رحمه اللّه في الشعب ما هو شر من الخمر وأفعل في قتل الأمم وهو استعمال بعض السموم حقنا تحت الجلد أو شما بالأنف كالمورفين والكوكايين والهروين